الأخبار: قضية سلامة والإصلاحات المالية: السلطة تحمي النموذج بإدارة جديدة

وطنية – كتبت صحيفة "الأخبار": تبدو التحديات الإصلاحية الداخلية حاضرة في خطب كبار المسؤولين في السلطة الجديدة وبياناتهم ومواقفهم، إلا أن ما اتُّخذ حتى الآن من خطوات، سواء على صعيد تشكيلة الحكومة نفسها أو طبيعة الفريق الاستشاري المحيط بكبار المسؤولين أو على مستوى التعيينات التي جرت خصوصاً في منصب حاكم مصرف لبنان، إضافة إلى مشاريع العمل التي تُعد لملف الإصلاحات المالية، كلها تقود مجدّداً إلى الاستنتاج السيئ نفسه بأن اللبنانيين لا ينوون مغادرة النموذج الذي يقود بلدهم منذ إعلان الاستعمار له بلداً مستقلاً. وهو نموذج سياسي واقتصادي وثقافي ومعرفي أيضاً.

مشكلة البلاد ليست في عدم تطوير القوانين الناظمة لكل العمليات المالية والنقدية، بل تبدأ بعدم تطبيق الموجود من القوانين، والأكثر خطورة أن «النموذج» الذي ينتج سلطات تنفيذية وإدارية، يسمح بخضوع عملية اختيار الموظفين الكبار لحسابات سياسية تعكس في العمق المصالح الاقتصادية لمجموعات محدّدة من الأشخاص، يبرّرون ما يقومون به بأنه لخدمة الجماعات التي يمثّلونها، وهي في الأغلب جماعات طائفية ومذهبية.

لكنّ «النموذج» إياه، تجده يتخلّى فجأة عن نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية، عندما يتعلّق الأمر بطبقة من رجال المال والأعمال الذين نجحوا لعقود طويلة، ولا يزالون، في الإمساك بمفاتيح عملية توزيع الثروة في لبنان.

وهو عملياً ما يوفّر «الحصانة العملانية» لكبار الموظفين، كما للسياسيين، ويساعدهم على تجاوز القوانين والاحتيال على قواعد العمل، وبالتالي ارتكاب جرم الإثراء غير المشروع، من خلال استغلال النفوذ أحياناً، أو من خلال عمليات رشوة تتّخذ أكثر من شكل.

سبق للبنان أن واجه فضائح كبيرة، غالباً ما تمّت إما بسبب انقلابات في طبيعة السلطات الحاكمة، أو نتيجة انهيارات مالية كبيرة. لكنّ حالة حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة لم تكن مطابقة لما سبق.

ولا تتعلق به وحده، بل تشمل غالبية المتنفّذين في القطاعيْن المصرفي والمالي، وكبار رجال الأعمال والشركات الكبرى، إضافة إلى طبقة من المضاربين الذين اكتفوا خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، بالعمل من خلال نظام الريع الذي ساد في لبنان، ووفّر لهم مليارات الدولارات من الأرباح، من دون تقديم أي خدمة لتعزيز الاقتصاد الوطني.

وقد نجحت هذه الشبكة في التوسّع في نفوذها على الصعيد العام، من خلال توسيع دائرة المستفيدين من المال المسروق، حتى صارت تطاول نافذين في السلطات كافة، وتمّ ابتداع آليات وقوانين وتعاميم وإجراءات تتيح تحقيق هدف النفوذ الواسع، من دون التسبّب بإحراج لبعض المستفيدين من هذا البرنامج الذي شمل رجالات في سلطات القضاء والأمن والإدارة العامة والإعلام والحقوقيين، إضافة إلى طبقة من الموظفين التنفيذيين الذين كانوا يسهّلون الأعمال الإدارية اليومية.

وفي حالة سلامة، ما حصل أن تحقيقات عامة أُطلقت في فترة «ضياع سياسي»، ناجمة عن التطورات التي عصفت بالبلاد خلال السنوات العشر الأخيرة، أتاحت لبعض القضاء اللبناني المبادرة إلى القيام بعمليات تدقيق وتحقيق مالية، ما أدّى إلى كشف بعض جوانب الفساد والإثراء غير المشروع، سيما أن انهيار النظام المصرفي، وخسارة المودعين في لبنان لأموالهم، دفعا بالرأي العام إلى توفير عناصر ضغط كافية لقيام بعض القضاة بعملهم وفق مقتضيات القوانين المرعية الإجراء، حتى وصلت التحقيقات إلى مستوى متقدّم، كشف عن وجود شبهات حقيقية باستغلال الحاكم السابق لنفوذه وموقعه وصلاحياته الواسعة، وإنشاء شبكة مالية يقول التحقيق إنها سمحت له بجمع عشرات ملايين الدولارات كعمولات على عمليات ما كان يجب أن يقوم بها أي كيان أو شخصية، لأن ما استفادت منه يعود بالنهاية إلى مصرف لبنان.

على أن كل ذلك، ما كان ليتم من دون نظام أكثر قدرة على الاستغلال للقوانين والقواعد في عالم المال والأعمال. وهو نظام أساسه موجود خارج لبنان.

وهذا ما استدعى خلال متابعة ملف «الاختلاس في مصرف لبنان» السؤال عن التسهيلات التي قُدّمت للفريق المشتبه به خارج لبنان.

وهو ما بدأ يظهر في الأوراق الأولى حول كيفية تحويل الأموال إلى مصارف أجنبية في الخارج، ثم تحويلها من جديد إلى حسابات في لبنان أو خارجه، ضمن عملية يشتبه في أنها عملية تبييض للأموال، بالإضافة إلى التهرّب الضريبي.

هذه المسألة فتحت الأعين على دور خاص للمصرف البريطاني الشهير HSBC في ما خلص إليه ملف رياض سلامة وشقيقه رجا الذي كان يدير شركة «فوري» التي حصلت على عمولات نتيجة عملية ظلّت سرية حتى كشفها التحقيق اللبناني.

ومشكلة التحقيقات أنها مع توسّعها لتشمل دولاً أوروبية، بقيت تركّز على المشتبه بهم في لبنان، سواء كانوا مصارف أو أفراداً، وهو ما ترافق مع مساعي القضاء الأوروبي لحسم الملفات من خلال ما يقوم به، بما يتيح له ليس مصادرة الأموال والأملاك التي قد يثبت التحقيق أنها جزء من الأموال المسروقة، بل منع لبنان من الحصول على حقه في هذه الأموال التي تُعتبر في النهاية أموالاً عامة.

وإذا كان الجانب الأوروبي يقوم بما يراه مصلحة له، فإن المشكلة تعود مرة جديدة إلى لبنان، حيث لا توجد في الدولة اللبنانية جهات كفيلة بملاحقة الجهات الأجنبية المتورّطة في ملف «فوري»، سواء لجهة إعادة الملفات كلها إلى لبنان لضمان عودة الأموال المسروقة إلى الدولة اللبنانية أو إلى مصرف لبنان، أو لجهة تحميل الشركاء الأجانب المسؤولية حيال عملية السرقة من أصلها، وبالتالي تحميل هذه الجهات، سواء كانت مصارف أو أفراداً، مسؤولية دفع التعويضات للبنان، وهي قضية قابلة للتحقّق، وتشير مصادر إلى سوابق تتيح للبنان الحصول على مليار دولار من المصرف البريطاني وحده.

بناءً عليه، فإن السؤال للجهات اللبنانية الرسمية هو عن خطط السلطات الحكومية والقضائية والمالية لملاحقة هذا الملف، بعدما تبيّن أن التحقيقات التي جرت في سويسرا أظهرت وجود دور واضح للمصرف البريطاني المذكور في ما قام به الأخوان سلامة.

وفي السياق، أتيح لـ«الأخبار» الاطّلاع على نصوص محاضر تحقيقات جرت في أوروبا متصلة بالقضية، ومضامين اجتماعات واتصالات تشير إلى أدوار كبيرة يجب التحقّق منها. ومن بين هذه الأوراق، محضر جلسة استجواب لأحد المدراء في المصرف المذكور في سويسرا، اللبناني صبحي طبارة، الذي كان متابعاً لملف «فوري» وتربطه علاقة خاصة وعلاقة عمل بالحاكم السابق وشقيقه.

وفي المحضر تظهر بوضوح اللامبالاة من قبل إدارة المصرف المذكور بمتابعة الملف، وعدم تحرّكها إلا عندما بدأت التحقيقات في لبنان، وعندما بدأ الإعلام اللبناني يتحدّث عن الملف.

يصلح المحضر كورقة أساس لورشة يُفترض بالقضاء اللبناني متابعتها. والخطير، أو ما ينذر بمخاطر، هو أن يتلكّأ القضاء اللبناني المعنيّ بملاحقة الملف، خصوصاً بما هو موجود اليوم في حوزة القاضي بلال حلاوي، وبما يمكن للنائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار القيام به، لمطالبة قاضي التحقيق بمزيد من الخطوات استناداً إلى معطيات يمكن توفّرها.

لكن، تبقى المسؤولية الرئيسية على أركان السلطة الحاكمة، إذ إن طريقة اختيار الحاكم الجديد توجب الحذر والقلق من السير على خطى السلطات السابقة، وتغطية أي إهمال من جهة، وتثبيت آليات حماية «أركان النموذج» من أي ملاحقات قضائية، علماً أن الإصلاحات المالية التي يحتاج إليها لبنان لا تقف عند مطالب المؤسسات الدولية أو الدول الخارجية، بل يجب أن تشمل بالأساس حاجات البلاد إلى تعديل القوانين وتطويرها، بما يعزّز الشفافية من جهة، ويمنع التسلّط واستغلال النفوذ من جهة أخرى، إضافة إلى رفع الحصانة عن أي متورّط في الفساد.

      ====

تابعوا أخبار الوكالة الوطنية للاعلام عبر أثير إذاعة لبنان على الموجات 98.5 و98.1 و96.2 FM

  • خدمات الوكالة
  • خدمة الرسائل
  • تطبيق الوكالة الالكتروني
  • موقع متجاوب