مؤتمر الاعلام ناشر الحضارات أنهى يومه الأول بجلسة عن الاعلام ما بين السبق الصحافي وآداب المهنة

الإثنين 20 آذار 2017 الساعة 17:54 سياسة
وطنية - أنهى المؤتمر الدولي ل"الوكالة الوطنية للاعلام" عن "الاعلام ناشر الحضارات وهمزة وصل للحوار" يومه الأول بجلسة رابعة بعنوان "الاعلام ما بين السبق الصحافي وآداب المهنة"، ترأسها نقيب الصحافة عوني الكعكي وأدارها مدير "وكالة الانباء العمانية" محمد العريمي، وتحدث فيها مدير البرامج السياسية في اذاعة "صوت لبنان" جورج يزبك وعماد مرمل من تلفزيون "المنار" وجريدة "الديار".

العريمي
بداية، شكر العريمي وزير الاعلام ومديرة "الوكالة الوطنية للاعلام" "لاختيار هذا الموضوع الهام ليس فقط لدول المنطقة، بل للعالم اجمع في ظل ما نسمعه ونقرأه ونشاهده على وسائل الإعلام كل يوم من تجليات للحقيقة على مستوى الوطن العربي وكل أنحاء العالم".

الكعكي
وكانت مداخلة لنقيب الصحافة قال فيها: "لم أتردد لحظة واحدة في الموافقة على المشاركة في هذا المؤتمر الدولي البارز، ويشرفني الآن أن أترأس الجلسة الرابعة التي تتناول مسألة في غاية الاهمية وهي "الاعلام ما بين السبق الصحافي وآداب المهنة".

أضاف: "أود بداية أن أشير إلى أن هذه المسألة ما زالت مطروحة منذ بداية إصدار الصحف خصوصا منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وفي تقديري انه على الرغم من المواثيق الصحافية التي اعتمدوها في بلدان عدة، وعلى الرغم من اعتمادنا في لبنان ما نسبته "ميثاق الشرف الصحافي"، فإن السؤال ما زال يطرح ذاته "أين يبدأ مفهوم السبق الصحافي وأين ينتهي؟".

وتابع: "هل الحق في النشر هو حق مطلق أو أنه خاضع لقيود عدة، وفي طليعتها بالطبع القانون الوضعي الذي يرسم الطريق للتعامل مع المعلومة. لا شك في أن "الحقيقة يجب أن تعرف"، لكن هل يكتفي الصحافي (الاعلامي) بالمعرفة او انه يضيف عبارة "ويجب ان تقال" الى الجملة الواردة اعلاه فيصبح الشعار كما يلي: "الحقيقة يجب ان تعرف ويجب ان تقال".

وقال:"شخصيا، أرى أن الصحافي يجب أن يراعي مسألتين متلازمتين: الاولى حق القارىء في ان يتلقى المعلومة والثانية الحق المطلق في ان يكون النشر خاضعا للمسؤولية الوطنية والشخصية. وفي يقيني أن ما يحكم هذه القضية هو الضمير المهني المسؤول قبل القوانين والنصوص. والمثال الابرز على ذلك جاءنا من بلد عريق في الصحافة وفي الاعلام عموما، وفي الحريات الفردية والعامة، عنيت به فرنسا فقد درج رؤساء فرنسا الكبار امثال الجنرال شارل ديغول وجورج بومبيدو وفرنسوا ميتران وجاك شيراك وسواهم على استدعاء رؤساء تحرير الصحف في الازمات المصيرية، فيلتقونهم في قصر الاليزيه ويعرضون عليهم الوضع الصعب والدقيق بتفاصيله كاملة، ويزودونهم بالمعلومات الدقيقة، وحتى ما يسمى "اسرار الدولة"، ثم يقولون هذه هي الحقيقة، ولكم ان تحكموا الضمائر، لتنشروا ما لا يتعارض مع مصلحة الوطن".

وختم:"لن اطيل عليكم الكلام، لانني سأفسح في المجال امام الزملاء في هذه الجلسة ليعرضوا للموضوع من وجهة نظرهم. الا انني اريد ان اختم بهذا القول الذي ربما يجيب ضمنا على موضوعنا وهو "ان المعلومة التي تصل الى الصحافي هي مثل القنبلة في اليد.. تلقيها او تنفجر فيك"، وهذا هو السبق الصحافي تلقي القنبلة يعني تنشر المعلومة او يسبقك اليها الآخر".

يزبك
أما يزبك فقال: "صحيح أن الإعلام يعمل تحت الضغط ويسير وفق قانون السرعة المختلف عن قانون السير، في الإعلام السرعة مطلوبة، لا غرامة عليها إلا في حال الحوادث، The Media do work under deadlines لكن أحيانا تكون الحوادث قاتلة، بخاصة في قضايا الخطأ الجسيم الناتج عن نشر خبر كاذب أو غير صحيح، قرر فيه الصحافي إعطاء أولوية المرور للسبق الصحافي على التأكد من صدقيته وصحته".

أضاف: "إن سرعة الانترنت رغم كل فوائدها، الا انها مبعث للخطأ أيضا. ويقول Rosenberg and Feldman في كتابهما No Time To Think أو لا وقت للتفكير ان الخبر الكاذب لم يلق في أميركا أرضا خصبة كما هو اليوم. تذكرون ماراتون بوسطن، نشر إثنان من كبار وسائل الاعلام الاميركية الCNN و New York Post صورتي سعوديين على انهما متهمان بالتفجير، والشخصان بريئان. اضطرت الوسيلتان الى الاعتذار والتصحيح، وكلنا يعلم ان التصحيح نادرا ما يلفت الانتباه، فيبقى الخبر الاساس عالقا في الذهن، رغم self-correcting mechanism in journalism أو التصحيح الذاتي الآلي السريع المعتمد عالميا. ونشر تصحيح الخبر يجب أن يكون في ذات المرتبة الاعلامية للخبر الكاذب، وفي ذات موقعه ومحله، وفي ذات المساحة وأحيانا أكثر لأن التصحيح يتطلب مساحة أوسع. Corrections should be displayed with the same prominence as the original item".

وتابع: "ان بعض مدارس الاعلام الحريصة على صحة الخبر تطلب من مراسلها التأكد مرتين من الخبر قبل نشره، حتى ولو كان خبر أم تقول لابنها إني أحبك. في الولايات المتحدة اعتمدت قاعدة عدم نشر النتائج الاولية للانتخابات Exit Poll Result طالما أقلام الاقتراع ما زالت مفتوحة، من منطلق ان هذه النتائج ليست نهائية ويمكنها أن تؤثر على من لم ينتخب بعد. صحيفة New York Times قررت أن تتأخر يوما أو يومين لنشر تحقيقها ضمانا لصحة المعلومات وقطعا لدابر التخمينات في الخبر التي قد تحوله الى رأي. في آداب الاعلام، يجب ألا نهمل ما اصطلح على تسميته limitation of harm او الحد من الأذى، مما يقضي مثلا بشطب اسماء ووجوه الاطفال والقاصرين من التقرير، وهذا صعب كي لا نقول مستحيلا في السبق الصحافي والنقل المباشر".

وقال: "وما معنى أو جدوى السبق الصحافي المشروط باحترام القواعد الاساسية، ومنها مثلا القرار الرقم 1003 الصادر عن البرلمان الاوروبي عام 1993 والذي يقضي بوجوب احترام الاعلام قرينة البراءة. Présomptiond'innocence".

ودعا الى "اعتماد أربع نقاط هي: وقف ايراد الاسماء بأحرفها الاولى كدليل غير ذكي على المعرفة. فالاسم إما أن يقال كاملا أو لا، فانتظار جلاء الحقيقة أو صدور الحكم واجب، وقف الادعاء بأن اذاعتنا او محطتنا او موقعنا او صحيفتنا هي اول من اورد الخبر، عدم اللجوء الى المصادر الرفيعة المستوى او الى المصادر الموثوقة، لأنها ومهما أتبعت بتوصيف ونعوت، تبقى مجهولة، ومجهولية المصدر في الاعلام كمجهولية محل الاقامة في القانون والتحلي بالشجاعة والاعتراف بالخطأ الاعلامي المقترف، ونشر التصحيح، والاقلاع عن اللعب على الكلمات تخفيفا للذنب، فالخطأ يستدعي تصحيحا لا تصويبا فقط، أو توضيحا، ونقول اقتضى تصحيح الخطأ الذي وقعت به محطتنا، وليس فاقتضى التصويب أو التوضيح".

وختم: "أنهي مداخلتي بسؤال وتأكيد. السؤال، هل البث المباشر هو أقصى سرعة في الاعلام؟ الجواب نعم، الا اذا كان بقدرة المحطة أن تبث ما لم يحدث بعد. Report news before it happens لكن هنا نقع في الخلاف الفعلي بين الخبر والرأي، وهنا المشكلة الكبرى والخرق الكبير لآداب الاعلام، هو تقديم الرأي كخبر.الحل في الثقافة الاعلامية Media literacy، علينا تعلمها وبسرعة. أما التأكيد فهو أن آداب المهنة تتقدم وتتفوق على السبق الصحافي او الاعلامي، Getting the news and getting the news right seems more important than being the first".

مرمل
أما مرمل فقال في مداخلته: "يمكن القول ان لدى الصحافي، في المبدأ، ميل فطري او غرائزي لصناعة السبق المهني، بل انني أدعي بأن الصحافي الذي لا يملك هذا الشعور انما يشكو من نقص في الهرمونات الاعلامية. بهذا المعنى، فإن السعي او حتى الجموح نحو تحقيق السبق هو أمر صحي ومشروع، ويكاد يكون ضروريا والزاميا لاكتساب الشرعية المهنية. ان المحاولة المستمرة لصناعة السبق هي التي تفرز ادرينالين الشغف بهذه المهنة، وهي التي تولد الحافز للعمل من دون حدود".

أضاف: "ان الاعلامي الذي لا يسكنه هاجس التفوق والتفرد يفقد الكثير من حيويته وهويته، ويتحول مع الوقت الى مجرد موظف او متعاقد، يحسب قيمة العمل بالساعات وليس بالانجازات. ثم ان صناعة السبق تختصر المسافات والمراحل امام الصحافي، فتنقله سريعا من الظل الى الضوء، وتمنحه القيمة المضافة التي تميزه عن الآخرين، ليكتسب اسمه بذلك البريق والرنين بدل ان يكون مروره عابرا وجافا، في خضم منافسة لا تحتمل خلط الحبر بالماء".

وتابع: "أكثر من ذلك، يصح الاستنتاج بأن السعي الى الحصول على السبق، لا يعتبر فقط بمثابة حق للصحافي، بل هو واجب عليه ايضا، كونه معني بنقل الحقائق الى الرأي العام وتقديم المعرفة له، وهذه مهمة ترتقي الى حدود الرسالة وعلة الوجود المهني، وبالتالي فان الاعلامي مطالب، وربما ملزم، باستخدام كل الوسائل المشروعة للوصول الى ما خفي من الوقائع والمعلومات، من أجل تنوير المواطنين ومنحهم افضل خدمة اعلامية ممكنة. ولكن، مهلا، هذه نصف الحقيقة اما نصفها الآخر فيفيد بان السبق الصحافي يجب ان يكون محكوما بضوابط مهنية واخلاقية، لئلا يعطي مفعولا عكسيا ويتحول من ضرورة الى ضرر، الامر الذي يستوجب من الاعلامي اعتماد رقابة ذاتية وطوعية، غير مبالغ فيها، تكون بمثابة مصفاة لتكرير الخبر الخام قبل ضخه الى المتلقي، بحيث تصبح الحرية مترافقة ومتصالحة مع حس المسؤولية، من دون ان يعني ذلك تقييدها. انها المعادلة الدقيقة والمرهفة التي تتطلب احيانا الاستعانة بميزان الجوهرجي للمحافظة على التوازن الجوهري، ولمنع تمزق الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحرية والفوضى وكذلك بين المسؤولية والقمع".

وقال: "ان اهم صمامات الامان، المطلوب توافرها هي الآتية: يجب ان يراعي السبق الصحافي المصلحة العليا، فاذا تضاربا وكان لا بد من الاختيار بينهما، ينبغي ان تعطى الافضلية لمقتضيات المصلحة الوطنية الاوسع. وانا أعرف وأعترف ان هذا الخيار ليس سهلا على الاعلامي الذي اصعب ما يمكن ان يواجهه هو الامتناع عن نشر خبر يتفرد به، ولكن عليه هنا ان يبذل جهدا لتغليب الحس الوطني على حماسته المهنية، لا سيما إذا كان من شأن تعميم ما يعرفه ان يحدث اضرارا فادحة، من نوع اثارة نعرات طائفية ومذهبية او التسبب باي شكل آخر من أشكال التهديد للامن القومي، مع التشديد على وجوب التقدير الصحيح للموقف وتجنب الخضوع لممنوعات السلطة التي غالبا ما تبالغ في متطلباتها وحساسيتها، تحت شعارات فضفاضة".

وأضاف: "لتقريب الصورة، اسرد تجربة شخصية خضتها منذ فترة، حين استطاعت مخابرات الجيش توقيف انتحاري قبل ان يفجر نفسه في مقهى "كوستا" في شارع الحمرا. يومها روت لي مصادر امنية العديد من الخفايا المتعلقة بهذا الانجاز، ولكنها تمنت علي عدم نشر بعض التفاصيل الدقيقة، لان المعركة مع الارهاب مستمرة ولا يجب الكشف عن اسرار امنية قد يستفيد منها الارهابيون في ما بعد للافلات من قبضة الاجهزة الرسمية. في تلك اللحظة لم يكن امامي سوى ان اتجاوب مع هذه الدعوة، برغم اهمية المعلومات التي كانت بحوزتي، لان اولوية حماية الاستقرار تتفوق على ما عداها. واضافة الى كل ما سبق، فان السبق الصحافي ينبغي ان يكون مقرونا بالمصداقية، فلا يجوز الاعلان عنه إلا بعد التأكد من صحته والتدقيق جيدا في عناصره، تفاديا لتكذيبه لاحقا، مع ما يتطلبه ذلك من تمييز ضروري بين سرعة النشر المشروعة وبين التسرع المؤذي الذي قد يوقع الاعلامي في مآزق من شأنها ان تحرجه وتزعزع الثقة فيه. كما ان السبق الصحافي لا يفصل عن النزاهة، والمقصود بذلك انه يحصل احيانا ان تأتمنك المصادر التي تتواصل معها على سر ما، او ان تطلعك على معلومة معينة مع طلب عدم تعميمها. ان الاعلامي مطالب عندها بالتكتم اذا كان قد التزم بعدم النشر، مهما كانت اهمية الخبر الذي يتفرد به، لان الاخلاق المهنية وحتى الشخصية في مثل هذا الاختبار ينبغي ان تتفوق على التوق الى تحقيق السبق، عملا بقاعدة ان المجالس بالامانات. اما اذا اختار الاعلامي ان ينشر ما بحوزته، فهو يكون قد ربح "السكوب" لمرة واحدة وخسر المصدر الى الابد".

وختم: "هذه أبرز الضوابط التي يفترض اعتمادها في معرض التوفيق بين السبق الصحافي وآداب المهنة، وبالتالي هذا هو التحدي المتواصل لكل اعلامي".


========================= ج.س

تابعوا أخبار الوكالة الوطنية للاعلام عبر أثير إذاعة لبنان على الموجات 98.5 و98.1 و96.2 FM

  • خدمات الوكالة
  • خدمة الرسائل
  • تطبيق الوكالة الالكتروني
  • موقع متجاوب