الجمعة 30 أيلول 2016 | 04:26

العربي الجديد: ما بعد بروكسل:أوروبا مصدومة بخلايا مستيقظة وأجهزة نائمة

الخميس 24 آذار 2016 الساعة 07:15

وطنية - كتبت صحيفة "العربي الجديد" تقول : كادت وزيرة الداخلية النمساوية، يوهانا ميكل لايتنر، تختصر ما يحلو لكثيرين في أوروبا وصفه بالإخفاق الأمني الهائل الذي تُرجم في حلقته الثانية البلجيكية بالمطار والمترو، يوم الثلاثاء، بعد تلك الفرنسية قبل أشهر، عندما قالت، في ما يشبه الاعتراف الصريح: "إن تبادل المعلومات حول هجمات إرهابية محتملة داخل دول الاتحاد الأوروبي، فشل بسبب انعدام الثقة والتمسك بالمصالح الذاتية" بين الدول الأوروبية.


اعتراف من العيار الثقيل ختمته الوزيرة بمجرد أمل أن "يتحسّن التعاون بين الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية، ليكون أكثر وفي أفضل أشكاله"، وهو ما سيحضر بقوة على طاولة وزراء الداخلية في الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، خلال اجتماعهم، اليوم الخميس، الذي تحضر له الرئاسة الهولندية للاتحاد. وكأن الإخفاق الأمني الكبير كانت تنقصه الوصية التي تركها أحد "انتحاريي المطار"، إبراهيم البكراوي، (شقيق الانتحاري الثاني في المترو، خالد البكراوي)، يقول فيها، إنه اضطر للتعجيل بتنفيذ عمله، ولم يكن له من حلّ سوى المضي في تنفيذ الاعتداء، بسبب إحساسه بمطاردة شديدة له من الشرطة البلجيكية وخشيته من السقوط في قبضتها. أما الخبر السار فكان تأكيد السلطات البلجيكية أن الانتحاري الثاني في مطار بروكسل، بالاضافة إلى إبراهيم البكراوي، لم يكن سوى مهندس هجمات بروكسل، نجم العشراوي، فضلاً عن انتحاري المترو، البلجيكي خالد البكراوي، شقيق إبراهيم.


تطورات يوم أمس، التي خلصت إلى أن الأمر يتعلق بنفس "خلية باريس"، كانت مصدر ارتياح لدى مسؤولين أمنيين بلجيكيين، على اعتبار أن هذه الخلاصة يمكن أن توفر الكثير من الجهود في البحث عن خيوط خلية جديدة. الواضح والمؤلم، في الآن نفسه، في ما جرى، يوم الثلاثاء، في العاصمة البلجيكية، هو أن الجميع كان يتوقع ما حدث في بروكسل تحديداً، ولم يستطع أحد أن يحول دون حصوله بالفعل مع أن السؤال، منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كان يتمحور حول زمن العملية فحسب. فأنْ تُقْدِم خليّة على التخطيط لضرب قلب باريس ومحاولة اغتيال رئيس الجمهورية في ملعب كرة قدم، وأن تنجح في استعادة بعض أعضائها الذين لم يَقْضُوا في الاعتداءات، والتعتيم على أعضاء آخرين ساهموا في التحضير للعمليات، بطريقة أو بأخرى، جميعها معطيات تجعل إمكانية ضرب بلجيكا، "الدولة الصغيرة"، عملية سهلة نسبياً.
ولأنّه "رُبّ ضارة نافعة"، كما يقال، فالكثير من المعلومات الناقصة عن اعتداءات باريس، سيكون بالإمكان التعرف عليه الآن، ليس فقط من خلال اعتقال صلاح عبدالسلام، ولكن أيضاً من خلال التعرف على هوية الأخَوَين البكراوي، اللذين بدأت السلطات البلجيكية والفرنسية تتحدث عن ضلوع أحدهما "المباشر" في "خليّة باريس". وبدأت المعلومات تتقاطر عن مشاركتهما في التحضير للعمليات، فخالد، الأخ الأصغر (27 عاماً)، هو الذي سكن في الشقة رقم 60 بشارع درييس في فوريست، التي شهدت عمليات إطلاق النار بين الشرطة البلجيكية ومسلحين، أدت إلى مقتل محمد بلقايد وجرح أربعة من أفراد الشرطة في مداهمة بروكسل، الأسبوع الماضي، كما أنه ساهم في التحضير لاعتداءات باريس، إضافة إلى علاقات وثيقة كانت تربطهما بصلاح عبدالسلام.
وقد جاء تأكد السلطات البلجيكية من هوية الأخَوَين البكراوي، ليكشف هفوات وإخفاقات، ومن بينها الانتقال من عالَم الإجرام والمافيا إلى عالم الإرهاب و"الجهادية"، وهو ما تكشفه سيرَتَا الأخَوين البكراوي، وقبله سيرة حياة كوليبالي، الذي هاجم المتجر اليهودي في باريس.
وفي سجلّ الأخوين البكراوي، ما هو معروف عن الحكم بسجن إبراهيم تسع سنوات، سنة 2010، بسبب إطلاقه النار من بندقية كلاشينكوف على أفراد الشرطة، أثناء جريمة سرقة، في حين أن الأخ خالد، سنة 2011، تم إيقافه وبحوزته كلاشينكوف، وحُوكم بخمس سنوات سجناً. أما نجم العشراوي، الذي يُقدَّم باعتباره مهندس اعتداءات 13 نوفمبر/ تشرين الثاني في باريس، بسبب توفره على خبرة في صناعة المتفجرات، فتبحث عنه السلطات البلجيكية وتعتقد أنه الشخص الثالث في عملية بروكسل.


الحل أوروبي


يرى رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، الذي شاطَر البلجيكيين دقيقة صمت، أن الحل الأمني يقتضي التشديد على المراقبة بين دول الاتحاد الأوروبي، لأن "أوروبا الأمنية موضع تساؤل". ولأن هذه العملية الإرهابية قد يكون لها ما بعدها، فإن دول الاتحاد الأوروبي تحسّ أنها مستهدَفَةٌ كلها، إذ إن كثيراً من الدول الأوروبية تتحدث من حين لآخَر عن كشف وإفشال اعتداءات إرهابية، ألمانيا على سبيل المثال، حيث درجة التأهب عالية، وتتحدث مصادر أمنية هناك عن إفشال نحو 12 اعتداءً إرهابياً.
يشدد مانويل فالس على ضرورة تعزيز الأمن الأوروبي، ويطلب من البرلمان الأوروبي التصويت على قرارات من أجل محاربة الإرهاب والتخلي عن "الملائكية" في السياسة (الطوباوية بحجة الحفاظ على الحريات والحقوق)، والتخلي عن عدم الاكتراث والسلبية. ولعلّ فرنسا أكثر الدول وعياً بالخطورة، ليس فقط بسبب انخراطها في حروب عديدة في أفريقيا والشرق الأوسط، بل لأنها أصبحت، أيضاً، عرضة، منذ سنوات طويلة، لهجمات إرهابية دامية. وقد حاولت استثمار التعاطف الأوروبي والعالمي بعد اعتداءات شارلي إيبدو ثم اعتداءات نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، لكن من دون جدوى، لأن اليسار الأوروبي في البرلمان الأوروبي لا يزال يرفض الموافقة، حتى اليوم، على إنشاء سجلّ أوروبي للمسافرين في الأجواء الأوربية، والذي بمستطاعه الكشف، بسرعة، عن تنقل مرشحي "الجهادية" وتفادي تنفيذ اعتداءاتهم. وقد جاءت هذه الاعتداءات الجديدة لتمنح فرنسا، مرة أخرى، فرصة الإلحاح على ضرورة تصويت البرلمان الأوروبي على هذه الإجراءات من أجل مكافحة الإرهاب، وهي رغبة توافق عليها المستشارة أنجيلا ميركل.


صدمة وردود فعل


إذاً، توقفت حصيلة ضحايا تفجيرات المطار ومترو مالبيك عند حاجز الـ31 قتيلاً، وأضعاف مضاعفة من الجرحى. وقد عبرت كل عائلة الصحافة البلجيكية والفرنسية بيمينها ويسارها عن الشعور بالألم والفظاعة من نوع عناوين: "بروكسل تبكي" و"ثلاثاء أسود في بروكسل" و"الصدمة"، و"أوروبا ضُربَت في قلبها" و"بلجيكا بيت الجهادية في أوروبا"، "الفظاعة في قلب بروكسل". وعلى الرغم من اتهام الكثيرين السلطات البلجيكية بالتقصير الأمني، إلاّ أن الظروف الحالية لا تسمح بتوجيه الانتقادات وتحمل المسؤوليات، بدليل أن وزير المالية الفرنسي، ميشيل سابين، تسبب في أزمة مع بلجيكا، حين اتهم بعض المسؤولين السياسيين البلجيكيين بالسذاجة، وهو ما يعني، في نظره، أن بلجيكا تتحمل مسؤولية كبيرة في الاعتداءات التي ضربت فرنسا، أيضاً، سنة 2015