الجمعة 01 تموز 2016 | 11:47

الراعي عن واقع المسيحيين عبر خمس سنوات من الثورات في الشرق الأوسط : يجب حماية لبنان الجسر الحضاري بين الشرق والغرب

الأربعاء 24 شباط 2016 الساعة 21:25

وطنية - القى البطريرك الماروني الكاردينال بشاره بطرس الراعي محاضرة في روما بعنوان "قراءة واقع المسيحيين والكنائس عبر خمس سنوات من الثورات في الشرق الأوسط" حاء فيها:"لمقاربة هذا الموضوع أتناول بإيجاز أربع نقاط:

I– الأسباب التي أوجبت الثورات (وهي القسم الأكبر).

II – التظاهرات الشعبية والأخطاء التي رافقتها.

III – النتائج السلبية على المسيحيين والكنائس.

IV – اقتراح حلول.

I– الأسباب التي أوجبت الثورات.

1- من الأسباب البعيدة أولا إعلان دولة إسرائيل واعتراف الدول الكبرى بها الذي أعطى ذريعة للعسكريين في العالم العربي كي ينقضوا على السلطة. وزاد قيام كيان يهودي من العداء للغرب، والتشدد الإيديولوجي الإسلامي والقومي. وتوالت في منتصف القرن العشرين الانقلابات العسكرية التي فرضت الرأي الواحد والاتجاه الواحد، وألغت التعددية والمؤسسات التمثيلية، وحلت الأحزاب، واممت الصناعة والصحافة، وفرضت الحزب الواحد، جاعلة النقابات ملحقة به وبالدولة. وراحت الاتجاهات الإسلامية تعادي كل أشكال التفكير العقلاني، وترفض إنجازات العلوم الإنسانية والاجتماعية ومكتسبات الحداثة، وتغذي عداءها لليبيرالية السياسية والديموقراطية[1].

2 – وفي سنة 1979 كان إنشاء الجمهورية الإسلامية الشيعية في إيران. فكانت بمثابة ثورة قررت المملكة العربية السعودية مواجهتها بكل الوسائل[2]. أفضى الأمر إلى نزاع سياسي واقتصادي واستراتيجي بين هاتَين القوتَين الإقليميتَين، حتى أصبحت حربا دامية بينهما وبالتالي بين السنة والشيعة وحلفاء القوتَين من شرق وغرب، على أرض العراق وسوريا واليمن، كما أصبحت توترا أمنيا على أرض العربية السعودية، ونزاعا سياسيا في لبنان أدى إلى عدم انتخاب رئيس للجمهورية منذ سنة وأحد عشر شهرا.

3 – من الأسباب الكبرى عدم حل النزاع المزدوج: الإسرائيلي-الفلسطيني، والإسرائيلي-العربي. إن الحل الأول يقتضي إقرار مبدأ الدولتَين، وإعلان دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم الأصلية بموجب قرار مجلس الأمن 194. والحل الثاني يقتضي انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان، وفقا لقرارات مجلس الأمن المتعددة، "ولمبادرة السلام العربية" التي اقترحتها المملكة العربية السعودية سنة 2000، وأيدها في أذار 2002 في بيروت جميع أعضاء جامعة الدول العربية. وهي خطة سلام إقليمي شامل، يرمي إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بما يشمل تعاونا اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، في مقابل اتفاق ناجح على سلام مع الفلسطينيين.

ولكن المبادرة تعثرت بسبب عدم الالتزام من الأفرقاء الثلاثة بالشروط المطلوبة:

أ – إسرائيل بتجميد بناء كل المستوطنات في الأراضي الفلسطينية.

ب – السلطة الفلسطينية باتخاذ إجراءات صارمة للحد من الإرهاب والتحريض المعادي لإسرائيل، والضغط على حماس لتنبذ العنف، وتتعهد التزام الاتفاقات الموقعة سابقا.

ج – الدول العربية باتخاذ خطوات نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بما في ذلك السماح لحركة النقل الجوي التجاري الإسرائيلية بالتحليق في الأجواء العربية، وإعادة فتح المكاتب التجارية، والطلب من سوريا التخلي عن تحالفها المؤذي مع إيران، في مقابل التقدم في حل يتعلق بمرتفعات الجولان، الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ حرب 1967[3].

4. وهناك سبب رابع أساسي للثورات هو ما في الإسلام من عناصر سلبية مثل:

أ- إسلام متعصب يريد العودة إلى حرفية "الشريعة"، من دون تمييز بين ما هو تعليم القرآن ونبيهم وما هو من الانجرافات التاريخية. وهو نوع من الإيديولوجية التوتاليتارية التي تُريد إخضاع الجميع لها، وإلا عُدَ عدوا مناهضا.

ب- إسلام رافض للعلمنة، حتى تلك الإيجابية أي التي تحترم شريعة الله، والممارسة الدينية، فيما تفصل بين الدين والدولة. وهو إسلام يُقيم أنظمة سياسية (absolutistes)، ويُضفي عليها شرعية (légitimité) باللجوء إلى الدين، ويُصبح نظاما سياسيا ينظم، على أساس الدين الإسلامي الوجود الفردي والجماعي، في جميع القطاعات، من دون أي اعتبار لتقاليد وثقافة الديانات الأخرى.

ج- إسلام لا يُقر ويوقع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي نُشرَتْ سنة 1948، لكونها تتعارض والشريعة. فالمسلمون لا يقبلون بحرية المعتقد، إذ يمنعون المسلم من تغيير دينه واعتناق آخر، خلافا لما يعلم القرآن: "لا إكراه في الدين" (البقره 256). ولا يقبل المسلمون بمبدأ أن "الشعب هو مصدر السلطات العامة"، بل المصدر هو استشارة المؤمنين المؤهلين لاتخاذ قرار مُلائم للشريعة. فماذا إذن عن غير المسلمين؟ وقد وضعَ المجلس الإسلامي في أوروبا سنة 1981 "الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان" الذي لم يقبل به كل العالم الإسلامي.

د- إسلام غير متطور وغير قابل للتقدم وفقا لإيجابيات الحداثة ومقتضيات العولمة.[4]

I- التظاهرات الشعبية والأخطاء التي رافقتها

1. إنطلقت التظاهرات الشعبية في عدد من بلدان الشرق الأوسط مثل تونس ومصر وسوريا وسواها. وهي مُحقة بالنظر إلى الأسباب الداخلية التي ذكرنا أعلاه. ويُضاف إليها الركود السياسي والإقتصادي وازدياد حالات الفقر في أحياء مزدحمة من دون مرافق صحية أو مياه صالحة للشرب أو تيار كهربائي، فيما نخبة صغيرة تكتسب المزيد من النفوذ على الأرض والموارد. ويُضاف أيضا تزايد البطالة والفساد، والحاجة إلى فُرَص عمل ورعاية صحية وتعليم.

2. كان الخطأ الأول من قبَل الحكام المحليين الذين قمعوا التظاهرات بالقوة والقسوة. أما الخطأ الثاني سواء كان متعمَدا من بعض الدول، أم عن جهل من البعض الآخر، فكان دعمُ التنظيمات الإرهابية والحركات المتشددة بالمال والسلاح والتغطية السياسية وإرسال مرتزقة، تحت ستار دعم المعارضة، وإجراء الإصلاحات الدستورية. هذه التنظيمات والحركات أوجدت ما سُمي من الإدارة الأميركية "بالفوضى الخلاقة"، وما سماه الإعلام الغربي "بالربيع العربي".

3. وأصبحت الحرب في العراق وسوريا واليمن حربا دينية إسلامية بين السنة والشيعة، تقودها وتُغذيها المملكة العربية السعودية وإيران مع حلفائهما من الشرق والغرب فيما لكل دولة مصالحها الخاصة. وأصبحت حربا بين الحكومات والتنظيمات الإرهابية التي تسعى إلى الإستيلاء على الحكم. وخُنق صوت الشعب المعتدل الذي ينتظر الإصلاحات الدستورية.

4. هذا الواقع المؤلم والهدام وصفه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 (18 كانون الأول 2015) الخاص بسوريا أنه "معاناة شعب بكامله، وتدهور للحالة الإنسانية الأليمة، واستمرار للصراع الدائر والعنف الوحشي، وأثر سلبي للارهاب والإيديولوجية المتطرفة العنيفة في دعم الإرهاب، وزعزعة الاستقرار في المنطقة وخارجها، وتزايد في أعداد الإرهابيين الذين يجتذبهم القتال، وإذكاء النزعة الطائفية" (المقدمة).

أما التنظيمات الإرهابية المحاربة على الأرض السورية، فيحددها هذا القرار بأنها "تنظيم داعش، وجبهة النصرة، والقاعدة، وما يرتبط بهذه الثلاثة من أفراد وجماعات ومؤسسات وكيانات" (فقرة 8).

I I I - النتائج السلبية على المسيحيين والكنائس

1. لقد وقعَ مسيحيو بلدان الشَرق الأوسط ضحايا هذه الحروب والنزاعات: ألوف قُتلوا، ومئات الألوف هُجروا، واعتُديَ عليهم وعلى أموالهم وممتلكاتهم، وفقدوا تأثيرهم على حياة أوطانهم، وهم فيها مواطنون منذ ألفَي سنة؛ وكنائس هُدمت وانتُهكت قدسيتها. هذا ما جرى وما زال يجري في فلسطين والعراق وسوريا. ومن المؤسف القول أن ما يتعرض له المسيحيون في المشرق من استهداف ممنهج وهجرة جماعية، إنما هو خطير للغاية، ويجري على مسمع ومرأى المجتمع الدولي الصامت. وإن تكلم فلكي يسهل هجرتهم وإفراغ بلدانهم من وجودهم، وهو غير المكترث لأهمية دوره الحيوي.

يصف الإعلان المشترك الذي وقعه البابا فرنسيس والبطريرك كيريل في 12 شباط الجاري في هافانا (كوبا) الاعتداء على المسيحيين في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا بمثابة "اضطهاد وإبادة". ويدعو الأسرة الدولية لاتخاذ مبادرات فعلية لمنع انتزاع المسيحيين من الشرق الأدنى (راجع الفقرتَين 8 و9).

2. إن ما جرى هو بمثابة زلزال أصاب الوجود المسيحي، وحطم الاعتدال الإسلامي في بلدان الشرق الأوسط، وهدم آثار ما خلف المسيحيون فيها من انفتاح على التعددية وعلى قيم الحداثة، ومن قبول للآخر المختلف، ومن حوار حياة وثقافة ومصير. هذه كلها بلغ إليها المسيحيون مع مواطنيهم المسلمين على مدى 1400 سنة من حياة مشتركة، بالرغم مما أصابهم، عبر العصور من صعوبات متنوعة[5].

أقر "إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي[6] أن هذه الأقليات تعاني من تقتيل واستعباد وتهجير وترويع وامتهان للكرامة، مع أنها عاشت في كنف المسلمين وذمتهم قرونا، في جو من التسامح والتعارف والتآخي، سجل التاريخ تفاصيله، وأقر به المنصفون من مؤرخي الأمم والحضارات" (المقدمة).

3. لكن يجب الانتباه إلى أن المسيحيين ليسوا افرادا مبعثرين في البلدان الشرق أوسطية، بل هم كنيسة المسيح الجامعة، المتواجدة في هذه البلدان بمختلف تراثاتها: الانطاكية والبيزنطية والأورشليمية والاسكندرية والكلدانية، وبمؤسساتها التربوية، المدرسية والجامعية، والاستشفائية والاجتماعية والإنسانية، وأبناء هذه الكنائس فاعلون في أوطانهم على المستوى الاقتصادي والتجاري والإنمائي[7].

4. هذه الكنائس تتبع أبناءها المهاجرين في القارات الخمس، وتنظم شؤونهم الروحية برعايا ورسالات وأبرشيات، حفاظا على التراث الروحي والليتورجي والتاريخي والتقليدي، الذي يشدهم إلى كنائسهم الأم، ويسهمون به في إغناء المجتمعات المستضيفة.

IV – اقتراح حلول

1. لحماية الحضور المسيحي الفاعل في الشرق الأوسط، يجب على الأسرة الدولية وحكام الدول المعنية العمل الجدي والدؤوب لمعالجة الأسباب التي هي في أساس الثورات، وذكرناها في القسم الأول.

فيجب بنوع خاص:

أ – إيقاف الحروب الدائرة في بلدان الشَرق الأوسط، ووضع حد للعنف والإرهاب، وإعادة النازحين واللاجئين والمخطوفين إليها بحكم حق المواطنة، وحماية العيش معا حفاظا على الثقافة الخاصة بكل بلد، التي كونها معا المسيحيون والمسلمون. فالثقافة وحدها تخلص الأوطان. وبالتالي يجب إيجاد الحلول السياسية من أجل تحقيق سلام عادل وشامل ودائم. كما يجب احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية[8].

ب – الالتزام بتطبيق قرارات مجلس الأمن وآخر القرار 2254، والمؤتمرات الدولية.

ج – صياغة دساتير مبنية على الديموقراطية والتعددية والفصل بين الدين والدولة، بحيث تُصان فيها المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين إلى أي دين انتموا، ومشاركة جميع مكونات المجتمع وإقرار حق تمثيلها في المجلس النيابي والحكومة والمؤسسات العامة.

د – بناء دول تلتزم حماية جميع مواطنيها وإنصاف الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة، ونشر الوعي لحقوقهم، على أن يقوم القادة الدينيون والمفكرون والمربون والساسة وصناع القرار، بتعزيز الحوار بين الأديان، وتحقيق المواطنة التعاقدية، ورفض تبرير الأفعال الإجرامية بشعارات دينية[9].

2. ومن الناحية الكنسية، يجب على الكنائس المحلية في العالم:

أ – دعم الكنائس الشرقية الحامية جذور المسيحية العالمية، وإرثها التاريخي. وإن وجودها ضروري من أجل تفعيل الحركة المسكونية المعاشة يوميا، بسبب التواجد الدائم معا، والتعاون الروحي والاجتماعي والوطني، والمجالس واللجان التي تنسق النشاطات المشتركة.

ب – مساعدة أبناء كنائس الشَرق الأوسط، بمختلف الوسائل، من أجل البقاء في أوطانها وتعزيز بقائها، ولاسيما لأنها تعيش حوار الحياة والثقافة والمصير مع المسلمين، وتبث ثقافة الاعتدال والعدالة والمحبة والسلام. فلا يمكن عرض خيارَين عليهم: إما مد أعناقهم للذبح كضحايا للعنف والإرهاب في أوطانهم، وإما الهجرة إلى بلدان غريبة، بل يجب وضعهم أمام قرار مزدوج: التجذر في أرضهم لئلا تُبادَ ثقافتهم الحيوية للمنطقة، والمعية كارتباط في المصير مع مواطنيهم، وكجسر للحوار والسلم والمصالحة مع المكونات الأخرى في مجتمعاتهم[10].

3. إن لبنان، ولو كان متعثرا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بسبب موقعه الجيوسياسي في الشرق الأوسط، فيبقى نموذجا وحاجة لبلدان الشرق الأوسط. فنظامه ديموقراطي يفصل بين الدين والدولة، والعيش معا مسيحيين ومسلمين منظم في الدستور بالمساواة والمشاركة المتوازنة في الحكم والإدارة: في البرلمان والحكومة والوزارات والمؤسسات العامة، واحترام هويات جميع المذاهب المسيحية والإسلامية، والوفاق الوطني[11].

وقال الراعي :"لإن مشكلة لبنان اليوم هي وجود مليون ونصف نازح سوري يزيد عددهم كل سنة 000، 40 ولادة، بالإضافة إلى نصف مليون لاجئ فلسطيني مع الولادات السنوية. مع اعتبار الناحية الإنسانية، كل هذا الوجود الذي يزيد عن نصف سكان لبنان، إنما يشكل خطرا كبيرا على اقتصاده واستقراره السياسي والأمني وعلى ثقافته. فهؤلاء المحرومون من حقوقهم والمطرودون من بلدانهم هم بحاجة لمقومات العيش، وبالتالي معرَضون للاستغلال من التنظيمات الإرهابية ومن التيارات المذهبية الإسلامية المتشددة. فيجب حماية لبنان، هذا الجسر الحضاري بين الشَرق والغرب، بوقوعه على الضفة الشرقية من البحر المتوسط، لكي يواصل دوره البناء في منطقته".

وختم، نرجو لهذا المؤتمر النجاح الكامل، وأشكركم على إصغائكم.


==========================